كم مرة قلت لنفسك: “إذا حققت الشيء الفلاني، سأكون سعيدًا”؟ أو: “إذا تجاوزت هذه المشكلة، سوف أرتاح”؟
أغلبنا يعيش في حالة مزمنة من انتظار السعادة؛ نربطها بحدث قادم، أو هدف لم يتحقق بعد، أو أمنية لم تأتِ، أو ظرف نعتقد أنه إن تغيّر، ستتغير حياتنا بالكامل. نظريًا، نعرف أن العيش بهذه العقلية خطأ، لكن سلوكنا اليومي يقول عكس ذلك. قد تتفق معي أن أغلبنا يركض ذهنيًا باستمرار؛ نؤجل الشعور بالراحة، ونعيش وكأن السعادة محطة نهائية يمكن الوصول إليها.
لو جلست مع نفسك جلسة صادقة، وتأملت فيما حدث لك في عام ٢٠٢٥م مثلًا، فغالبًا ستجد أنك حققت أشياء كنت تتمناها يومًا ما، حتى لو كانت بسيطة، وأن مشكلات كثيرة انتهت دون أن تترك أثرًا مؤلمًا. ومع ذلك، قد تشعر أن مستوى سعادتك لم يتغير كثيرًا، وأن شعورك بالاكتفاء لا يزال غير مكتمل. في علم النفس، هنالك ما يُعرف بـ“معيار السعادة” (Hedonic Set Point)، حيث يمتلك كل إنسان مستوى أساسيًا من الشعور بالسعادة. مثلًا: قد يكون عندك مستوى (5 من 10)، يحدث شيء جميل فيرتفع إلى (7)، ثم تعود تدريجيًا إلى (5). وهكذا تستمر في حلقة ركض لا تنتهي؛ تؤجل فيها الاستمتاع بالحياة، منتظرًا يومًا تصل فيه إلى (10/10)، وهو يوم لن يأتي.
من هنا، أدعوك إلى أن تتقن فن الاكتفاء. صدقني، نحن لا نحتاج أن ننتظر اكتمال الحياة لنشعر بالسعادة، بل نحتاج أن نُعيد النظر فيما لدينا الآن. يقول أبراهام ماسلو: “الإنسان السعيد ليس من يملك كل شيء، بل من يقدّر ما لديه.”
أساس فن الاكتفاء هما الامتنان والعناية بما لديك.
الجميع يعرف معنى الامتنان، لكن القليل فقط من يمارسه يوميًا. الامتنان هو أن تتوقف يوميًا لعدة دقائق، وتتأمل بصدق: ما الذي أملكه الآن مما كان يومًا ما حلمًا؟ ما هي الأزمات التي خرجت منها مع أني ظننت أنها ستبقى معي طول الدهر؟ ما هو الجانب في حياتي الذي كنت أسعى أن يكون كما أريد وأصبح كذلك؟ وهكذا…
ولكي أرسم لك الفكرة بشكل أوضح، فإن معظم ما يسعى له البشر هو متع (Pleasure): سيارة، ترقية، سفر، مقتنيات، وغيرها من المتع التي من الطبيعي أن نسعى لها. لكن ما يحدث أننا بعد مدة من حصولنا عليها ننسى ذلك؛ يتلاشى شعور الفرح، وتصبح تلك الأشياء عادية. وهذا ما يُعرف باعتياد المتعة (Hedonic Adaptation). الامتنان هو أن تُفعّل في ذاتك وشعورك تلك المكتسبات، وتجعلها دومًا حاضرة في ذهنك، وتذكّر نفسك بها باستمرار. وهذا بدوره يساعدك على تثبيت مستوى السعادة – الذي تحدثت عنه سابقًا- في مستوى عالي.
أقرب مثال لذلك: تخيل معي أن لديك حديقة فيها ورود جميلة. من الطبيعي أن تلك الورود قد تذبل وتموت بعد مدة قصيرة، لكن لو صنعت منها ورودًا مجففة ووضعتها في قالب جميل، فستظل معك للأبد. صحيح أن الشعور بلذة المتعة في البداية قد يكون أعلى، لكن في كل الأحوال، حتمًا سيكون شعورك ومزاجك وحبك للحياة أكثر عمقًا من لو كنت تركض لتحقيق شيء، أو تحصل عليه ثم تتركه بمجرد حصولك عليه، وتكمل ركضك إلى غيره!
وبالطبع، الامتنان لا ينافي الطموح؛ احلم وخطط وابذل، ولكن استمتع بما لديك. يقول لاوتسو: “من يعرف أن لديه ما يكفي، فهو غني.”
ومن زاوية أخرى، حاول دومًا أن تضيف لمعانًا وتألقًا لما معك: ملابسك، مقتنياتك، غرفتك، مكان جلوسك، سيارتك. ليس من الضروري أن تكون باهظة الثمن، لكن احرص على نظافتها وصيانتها والعناية بها؛ لأن ذلك سيجعلك تشعر دائمًا بمدى روعتها، ويمنحك الإذن الداخلي للاستمتاع بها.
وفي كل الأحوال، نعم، ستبقى هناك دائمًا: آلام لن تُشفى، وجراح لن تندمل، ومشكلات لن تُحل، وضغوط لن تنتهي، وأمنيات لن تتحقق! لكن في المقابل، هناك أشياء جميلة كثيرة في حياتك الآن؛ عدم عيشك لها، وتركيزك بعيدًا عنها، هو ما قد يجعلك تعيسًا.