
الكتابة وعاء فعال لرؤية تفكيرنا وتقييمه وإطالة النظر فيه , هي طريقة فاخرة لترجمة الشعور والأفكار ,
من خلالها يهدأ العقل المثقل بالأفكار .
تصف جوان ديديون Joan Didion الكاتبة الأميركية ذلك فتقول :” إنني أكتب لكي أعرف ما أفكر به , وما
أنظر إليه , ما أراه وما يعنيه ذلك ” , أما ميريديث ماران Meredith Maran محررة كتاب ?Why We Write
فتعبر بقولها : ” أنا أكتب لكي أجيب على أسئلتي ! ” .
منذ عرفت نفسي وأنا أجد لدي ميلاً للكتابة والنشر , أذكر حين كنت في الصف الرابع الابتدائي عام
1995م بدأت أشعر بلذة أن أكتب شيئاً يفيد غيري – حينها كنت محباً للقراءة المنبع الأساسي للأفكار –
جمعت مادة ثقافية بسيطة , فكرت بنشرها على شكل نشرة مطوية , طلبت من أختي الكبيرة صافية
كتابتها بخط يدها , قمت بتصويرها وبعد التنسيق مع مشرف النشاط نشرتها ووزعتها بين الطلبة .
لم أنسَ روعة إحساس تلك البداية , منذ ذلك الحين وحتى الآن – بعد ما يزيد عن عشرين عاماً – وأنا
استمتع بهذه الممارسة التي جعلتني أجد فيها متنفساً نفسياً وأداة تأثير .
الكتابة لا تعني دوماً النشر , فهي بحد ذاتها أسلوب لتحسين لمزاج وترتيب التفكير , فكلما شعرتُ
بضيق كدر حزن قلق , أو شعرت بأن أمور حياتي متداخلة مضطربة , هرعت إلى قلمي ودفتري , أكتب
كل ما يجول بخاطري أحاول تنظيم أفكاري , وما هي إلا دقائق معدودة حتى أجد تحسناً في المزاج
و وضوحاً في قدرتي على اتخاذ قرار ما , وقدرة على تنظيم أمور حياتي .
من يعتاد الكتابة تصبح مكوناً أساسي في شخصيته , يشعر بتوتر وضيق حين تمر عليه فترة طويلة بلا
كتابة , شعور معقد يصعب على الكلمات شرحه , وفهمه لا يكون إلا بأن نكتب ونكتب ثم نكتب !
الروائي الأمريكي ديفيد بالدتشي David Baldacci الذي جنى مقدماً مقابل أحد كتبه مبلغ تجاوز
المليوني دولار وأصبح من أكثر الكتب مبيعاً , يوصي الكُتاب بقوله : ” ( اكتب لقرائك ) هو تعبير ملطف لـ
( اكتب ما تعتقد أن الناس ستقوم بشرائه ) . لا تقع في هذا الخطأ ! اكتب للشخص الذي تعرفه جيداً
اكتب لنفسك ” .
هو بذلك يلفت إلى أن أكثر الكتب تأثيراً وبقاءً وصدقاً هي تلك التي نكتبها لأنفسنا قبل غيرنا , تلك التي
يكون فيها الكاتب متجرداً من كل دافع سوى دافع الصدق الوضوح .
أجمل لحظة حين تجد نتاج قلمك – الذي كتبته لنفسك – ينقل إحساسك وفكرك إلى غيرك , تؤثر فيه ,
تطور شيئا ما عنده , والأروع من ذلك أن تجعله يشعر !